ابن تيمية
105
مجموعة الفتاوى
الظَّاهِرُ الَّذِي لَمْ يُرَدْ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُهُ قَدْ يُؤَخَّرُ بَيَانُهُ ، احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ : { إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً } . وَادَّعَوْا أَنَّهَا كَانَتْ مُعَيَّنَةً وَأُخِّرَ بَيَانُ التَّعْيِينِ . وَهَذَا خِلَافُ مَا اسْتَفَاضَ عَنْ السَّلَفِ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ مِنْ أَنَّهُمْ أُمِرُوا بِبَقَرَةِ مُطْلَقَةٍ فَلَوْ أَخَذُوا بَقَرَةً مِن البَقَرِ فَذَبَحُوهَا أَجْزَأَ عَنْهُمْ وَلَكِنْ شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ . وَالْآيَةُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ فَهِيَ مُطْلَقَةٌ . وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ سِيَاقُهُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ ذَمَّهُمْ عَلَى السُّؤَالِ بِمَا هِيَ وَلَوْ كَانَ الْمَأْمُورُ بِهِ مُعَيَّناً لَمَا كَانُوا مَلُومِينَ . ثُمَّ إنَّ مِثْلَ هَذَا لَمْ يَقَعْ قَطُّ فِي أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْ يَأْمُرَ عِبَادِهِ بِشَيْءِ مُعَيَّنٍ وَيُبْهِمَهُ عَلَيْهِمْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَلَا يَذْكُرُهُ بِصِفَاتِ تَخْتَصُّ بِهِ ابْتِدَاءً . وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّهَ أَخَّرَ بَيَانَ لَفْظِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لَهَا مَعَانٍ فِي اللُّغَةِ بِخِلَافِ الشَّرْعِ ؛ وَهَذَا غَلَطٌ فَإِنَّ اللَّهَ إنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ بَعْدَ أَنْ عَرَفُوا الْمَأْمُورَ بِهِ وَكَذَلِكَ الصِّيَامُ وَكَذَلِكَ الْحَجُّ وَلَمْ يُؤَخِّرْ اللَّهُ قَطُّ بَيَانَ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَأْمُورَاتِ وَلِبَسْطِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَوْضِعٌ آخَرُ . وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ : إنَّ الْحَقِيقَةَ مَا يَسْبِقُ إلَى الذِّهْنِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ؛ فَمِنْ أَفْسَدِ الْأَقْوَالِ ، فَإِنَّهُ يُقَالُ : إذَا كَانَ اللَّفْظُ لَمْ يُنْطَقْ بِهِ إلَّا مُقَيَّداً ؛ فَإِنَّهُ يَسْبِقُ إلَى الذِّهْنِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْهُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ . وَأَمَّا إذَا أُطْلِقَ ؛ فَهُوَ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْكَلَامِ مُطْلَقاً قَطُّ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ حَالُ إطْلَاقٍ مَحْضٍ حَتَّى يُقَالَ : إنَّ الذِّهْنَ يَسْبِقُ إلَيْهِ أَمْ لَا . وَ " أَيْضاً " فَأَيُّ ذِهْنٍ فَإِنَّ الْعَرَبِيَّ الَّذِي يَفْهَمُ كَلَامَ الْعَرَبِ ؛ يَسْبِقُ إلَى